المياه كلمة السر التي تربط الكيان الصهيوني بعلاقات حميمية مع كينيا وأوغندا وإريتريا هل يكون تمزيق السودان بداية لسيطرة إسرائ
كانت دوماً المياه العربية سندًا قويًا في السياسة الإسرائيلية لتمسّكها باختيار فلسطين لتكون وطنًا قوميًّا لليهود منذ الحرب العالمية الأولى وحتَّى اليوم، حيثُ وضع زعماء الحركة الصهيونية العالمية قضية المياه نصب أعينهم عندما طالبوا بتأسيس دولة إسرائيلية سياسيًّا، واختاروا لها شعار (من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل).
ولا يخفى على أحد صعوبة الأزمة التي قد تواجهها مصر في المستقبل المنظور نظراً لما يتعرض له السودان من ضغوط دولية تصل إلى حد المؤامرة بتمزيق وحدة أراضيه وهو الأمر الذي يعد بمثابة أكبر خطر يتهدد الأمن القومي المصري في الوقت الحاضر , خاصة أنه إذا ما سقط السودان في بحر التمزق فإن الهدف الأول الذي سيسعي إليه الطامعون وعلى رأسهم إسرائيل هو الاستحواذ على مياه النيل , وهو الأمر الذي حذر منه أكثر من خبير وعلى رأسهم عالم الجيولوجيا المصري الدكتور رشدي سعيد الذي أبدى تخوفه من التحولات السياسية التي تحدث حاليا في جنوب السودان جراء النزعات الانفصالية، وما يمكن أن يسفر عنه الاستفتاء حول مصير الجنوب من إنشاء دولة جديدة مبديا قلقه من علاقات قد تربط الدولة المزمع إقامتها مع إسرائيل تجعلها تستجيب لمطلبها بشراء المياه، معتبرا أنها المشكلة الملحة لدى إسرائيل, ومؤكداً أن الأمر قد يمتد لمطالبة مصر بمرور المياه إلى إسرائيل عبر الأراضي المصرية مقابل عائد مادي.
ويتفق معه في هذا الرأي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في كلية التربية جامعة المنصورة وخبير الشؤون السودانية الدكتور زكي البحيري الذي أكد أن إسرائيل تدعم الخلاف السوداني وتضع عينها على مياه النيل وتحدث عن أن هناك تقصيرًا لا حدود له من وزارة الخارجية والحكومة المصرية في كل قضايا السودان، وأولها مشكلة الجنوب، حيث وقفت مصر موقف المتفرج في الوقت الذي تدخلت فيه كينيا وأميركا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا, معتبراً أن الأمن القومي المصري يبدأ من السودان وينتهي في الشمال في فلسطين، وانتصار الجنوب على الشمال سيكون على حساب الأمن القومي المصري وسيكون على حساب ورود ماء النيل ووصوله بالشكل الطبيعي، النيل الذي يساوي مصر, مؤكداً أن هناك مخططا دوليا لتقسيم السودان إلى عدة دويلات منذ عهد بوش، وكان السيناريو مخططا له بشكل مشابه لما حدث في العراق ما دامت المشاكل مستمرة، وعندما تحل الانتخابات الخاصة في 2011 سيقررون الانفصال – يقصد الجنوب - لأنهم لا يمكن أن يوجدوا مع دولة في ظل المشاكل وعدم الاستقرار فينفصلوا، وإذا انفصل الجنوب فستتطلع دارفور أيضا إلى الانفصال، وربما يفكر الشرق في مناطق كسلة أو غيرها في الانفصال، وربما أيضا الشمال , ونوه كذلك إلى أن هناك جهات أخرى تدعم الخلاف السوداني غير أميركا , وقال إن إسرائيل على رأس القائمة، والدليل التحالف الذي تم بين شريف حرير وأحمد إبراهيم دريج الذي ذهب إلى إسرائيل , وكذلك حركة التحرير السوداني بقيادة عبد الواحد محمد نور الذي لديه مكتب في إسرائيل , مؤكداً أن لدى إسرائيل أطماعا في السيطرة على بعض الدول الأفريقية وأنها تلعب في هذا المنطقة، وهي متفاهمة مع أميركا، وهدفها مياه النيل في المقام الأول، وستبحث لها عن وجود في إثيوبيا ودول أفريقيا حتى تتوقف أو يكون لها يد في عملية التنمية ومشروعات النيل وهي تريد تسعير مياه النيل حتى يتمكنوا من شرائها.
ثم تحدث عما هو المطلوب من مصر خلال تعاملها مع هذا الملف , مشيراً إلى أنه يجب عليها أن تتوسط وتعمل على تقارب وتصالح بين الحكومة وقوى التمرد وأن تسير في برنامج التكامل الاقتصادي بينها وبين السودان لأن الوضع الاقتصادي هو الذي ينعكس على كل الأوضاع الأخرى، خصوصا السياسية، وأن يذهب مصريون للسودان لإقامة مشروعات زراعية واقتصادية لأنها واجب ضروري وملح للسودان، والسودانيون يتمنون ذلك.
عين إسرائيل على مياه النيل
ويشار إلى أن قضية المياه في مصر تحتل مسرح الأحداث في هذه الأيام، حيث يعُد نقص المياه الموضوع اليومي والخطاب السياسي والإعلامي في مصر، وليس أدل على ذلك من أن 50% من أبناء مصر لا يحصلون على المياه النقية، وأيضاً ما أكد عليه الرئيس حسني مبارك من خلال اجتماعه مع اللجنة الوزارية للري والموارد المائية، حيث أشار إلى أهمية المياه قائلاً:"إن قطرة المياه أغلى من البترول، لأنها ثروة مصر الحقيقية في الماضي والحاضر والمستقبل" ولا يخفى على أحد مسألة "الأطماع الإسرائيلية في المياه المصرية" التي ترجع إلى عام 1930م عندما تقدم تيودور هيرتزل إلى الحكومة البريطانية في عهد الملكة فيكتوريا ووزير خارجيتها "بلفورد" بمشروع يطلب فيه تحويل جزء من مياه نهر النيل إلى صحراء النقب في إسرائيل، وكانت حجته أن هناك فائضاً من مياه نهر النيل يفيض عن حاجة مصر ويصب في البحر المتوسط دون استخدامه في الزراعة أو تخزينه، حيث لم يكن لدى مصر في ذلك الوقت أي خزانات على نهر النيل، لذلك فكر أصحاب هذا المشروع في نقل هذا الفائض من مياه نهر النيل إلى سيناء عبر ترعة الإسماعيلية وقناة السويس، وذلك لتوطين اليهود في سيناء كنقطة للوثوب إلى فلسطين، وقد تم تحطيم هذا المشروع، ولم يتم لإسرائيل تحقيق طموحها في السيطرة على جزء من مياه نهر النيل لتعمير صحراء النقب التي تمثل حلم إسرائيل.
ولقد قامت إسرائيل عبر التاريخ بمحاولات متعددة كشفت عن مخططاتها الإجرامية إزاء نهر النيل، وكانت كل هذه المحاولات تحت شعار مقايضة المياه بالسلام. ومن هذه المحاولات , ما أبدته إسرائيل في منتصف السبعينات من رغبة في الحصول على (10 %) من إيراد نهر النيل وهو ما يمثل (8 مليارات م3) لحل مشكلة المياه في إسرائيل , وكذلك ما اقترحه رئيس جامعة تل أبيب "حاييم بن شاهار" بأن تسعى إسرائيل إلى إقناع مصر بضرورة منحها حصة من مياه النيل لا تتجاوز نسبة (1 %) تُنقل بواسطة أنابيب بهدف استخدامها في مشاريع التنمية الزراعية داخل قطاع غزة وخارجها , ويشار كذلك إلى أن بعض خبراء المياه الإسرائيليين اقترحوا بأن تمد مصر قطاع غزة بما يُعادل (100 مليون م3) سنوياً من المياه، وهي نسبة تُعادل (0.2%) من استهلاك مصر من المياه , كما اقتراح بعض المهندسين الإسرائيليين إقامة مشروع ضخم لجلب مياه النيل إلى صحراء النقب الشمالي عبر ترعة الإسماعيلية وعن طريق أنابيب تحت قناة السويس. ولكن كل هذه المحاولات لم يُنفذ منها شيء، ولما فشلت إسرائيل في تنفيذ هذه المشروعات بالتراضي مع مصر لجأت إلى محاولة تنفيذ ذلك بالإجبار والضغط على مصر من خلال تحريض الدول الأفريقية المشتركة معها في مياه نهر النيل على إقامة المشاريع المائية التي ستؤدي إلى تخفيض حصة مصر من المياه وخصوصاً أثيوبيا , وأطماع إسرائيل لم تتوقف على المياه المصرية في نهر النيل، بل امتدت بأطماعها إلى المياه الجوفية المصرية، فنجدها في عام (1990م) قامت بدراسة عن طريق الأقمار الاصطناعية بالاستشعار عن بعد لتقدير كمية المياه الجوفية المخزونة في صحراء سيناء، وما يمكن سحبه منها بالطرق المُثلى لاستغلاله في الزراعة، وقدرت المياه المسحوبة في ذلك الوقت بحوالى (30 مليون م3) من المياه , وبذلك تُمثل إسرائيل خطراً داهماً لا على المياه المصرية فحسب، بل وعلى المياه العربية كلها، لذلك يتنبأ الكثير بأن المياه ستكون سبباً في كثير من الحروب بين العرب والإسرائيليين مستقبلاً.
تقسيم السودان بداية للسيطرة على مياه النيل
لكن الخطير في هذا الشأن هو ما كان قد كشفه المحلل السياسي والعسكري بصحيفة "ليبراسيون" الفرنسية دوا سيزار عن أبرز الدوافع الخفية للولايات المتحدة من وراء محاولاتها نشر قوات دولية في إقليم دارفور بالسودان، وتتمثل في مساعيها الرامية لغزو مصر في عام 2015 , فقد توقع سيزار - طبقا لما نشرته مصادر إعلامية مصرية و أجنبية - أن تقوم الولايات المتحدة إذا ما تمكنت من دخول السودان، من غزو مصر من أجل التحكم في موارد نهر النيل وصرف حصص المياه وفق ما تريد، وبغرض إثارة التوترات بين الطوائف الدينية والقوى السياسية لتكرر سيناريو العراق من جديد , محذراً من أن وقوع مصر في الأسر الأميركي يعني أن كافة الدول العربية ستكون في قبضة الولايات المتحدة، وبذلك ستتغير شكل الخريطة السياسية وتصبح الدول العربية تحت راية العلم الأميركي، مبديا استغرابه من صمت الدول العربية وخاصة مصر حيال قرار مجلس الأمن نشر قوات دولية في دارفور , معتبراً أن نشر قوات تابعة للأمم المتحدة في دارفور بمثابة غطاء شرعي للولايات المتحدة لدخول السودان واستعماره من أجل الاستفادة من ثرواته البترولية وخاصة في الإقليم الذي قدرت فيه الآبار البترولية المكتشفة حديثًا بالأنهار، وأيضا خام "اليورانيوم" الذي تم اكتشافه وأصبح مطمعا للكثير من الدول التي تدخل هذا الخام في أنشطتها , مؤكداً أن احتلال السودان من بين الطموحات الأميركية التي تريد أن تضع العالم الإسلامي بين فكيها.
ضغوط إسرائيلية على إثيوبيا وكينيا وأوغندا
كما كشف المحلل السياسي الأميركي مايكل كيلو، مؤلف كتاب "حروب مصادر الثروة" عن اجتماع عقد بتل أبيب بين أعضاء بالكنيست الإسرائيلي ووزراء إثيوبيين، تناولت بحث إقامة مشاريع مشتركة عند منابع نهر النيل , وقال في مقال مطول نشرته صحيفة "راندي ديلي ميل" الجنوب أفريقية ، إن الأجندة الإسرائيلية تقوم على إقناع الوزراء الإثيوبيين باستكمال المشاريع المشتركة التي كانت قد توقف العمل بها , وأشار إلى أن هذه المشروعات تتضمن إقامة أربعة سدود على النيل لحجز المياه، وتوليد الكهرباء، وضبط حركة المياه باتجاه السودان ومصر، وذلك بهدف إشغال مصر في قضية تمس أمنها القومي وهي قضية المياه , ويتوقع أن تستكمل المشروعات ما بين يونيو وأكتوبر في فصل الأمطار بالهضبة الإثيوبية. فيما كشف الكاتب عن وعد إسرائيلي للحكومة الإثيوبية بمعونة مالية تفوق المائتي مليون دولار، بالإضافة لمعدات حربية وأسلحة ثقيلة، وعدد من طائرات "F16" الأميركية لتساعدها في حربها ضد المسلحين بالصومال , ولفت إلى أن إسرائيل تهدف من دعم مشروعات إثيوبيا المائية، إضعاف وضرب مصر اقتصاديا، كما أنها لعبت دورا كبيرا مع دول حوض النيل لنقض المعاهدة الدولية التي تنظم توزيع مياه النيل , واعتبر أن هذا الأمر يأتي في إطار الإستراتيجية الإسرائيلية، التي ترى أن حصر المعركة مع العرب في الجبهة الحدودية الضيقة لا يخدم إسرائيل لأسباب كثيرة؛ ولذلك لابد من توسيع هذه الجبهة خصوصا نحو ما يسمى دول المحيط العربي , وقال إنه في إطار هذا المبدأ عملت إسرائيل على إقامة تحالفات إستراتيجية مع العديد من هذه الدول، وذلك بغرض إضعاف مصر وسورية والعراق قبل سقوط نظام صدام حسين , وأضاف أن العلاقات العسكرية والأمنية المتميزة التي أقامتها مع إثيوبيا عمدت إلى توقيع اتفاقية علاقة اقتصادية واستشارية مؤثرة بهدف إلحاق الضرر بمصر، ومن جوانبها إقناع إثيوبيا بأن أحد المخارج الأساسية للتنمية فيها إقامة السدود وتعديل معاهد توزيع مياه النيل , وأردف قائلاً: إن إسرائيل ترى في مصر الدولة المصرية الواجب إضعافها دائما؛ كونها الدولة الأبرز من دول الطوق القادرة على مجابهتها سياسيا وعسكريا واقتصاديا , وأوضح أن إسرائيل تلعب دورًا بين دول حوض النيل ضمن مخطط أميركي يسعى لانتزاع النفوذ في تلك الدول من أوروبا عمومًا وفرنسا على وجه الخصوص؛ ولذلك فإن الإدارة الأميركية توفر لإسرائيل كل سبل التأثير على دول مثل إثيوبيا وكينيا ورواندا وأوغندا والكونغو، وذلك بهدف إبقاء مصر في حالة توتر دائم وانشغال مستمر، كما يؤكد الكاتب , وختم كيلو قائلاً: إن النيل سيصبح في السنوات القادمة قضية حياة أو موت وجوهر القضية أن 95 % من موارد مصر النيلية تأتي من إثيوبيا.
وفى أعقاب ما كشفه الكاتب الأميركي نشرت الصحف تصريحات ساخنة لرئيس الوزراء الأثيوبي هدّد فيها بسيطرة بلاده عملياً على مياه النيل, وتبع تلك التصريحات الخطيرة تأكيد من قبل الحكومة المصرية بأنها ستطلب إيضاحات من نظيرتها الأثيوبية , وينظر مراقبون مصريون إلى مطالبة دول أفريقية بإعادة النظر في اتفاقات مياه النيل باعتبارها مناوشات إعلامية من حين لآخر لاستدرار عطف الدول المانحة بالإضافة إلى وشايات إسرائيلية، مشيرين إلى التغلغل الإسرائيلي اللافت في منابع النيل التي يعمل فيها ما يقرب من 80 خبيراً إسرائيلياً, وتطالب مصر منذ فترة طويلة بإنشاء هيئة فنية أفريقية مشتركة تتولى جمع المعلومات الخاصة بالموارد المائية والتشاور مع دول حوض النيل على توزيع الحصص من خلال المفاوضات بدلاً من التهديد بالحرب".وفي أعقاب الرد المصري القوي , أكد وزير الري الإثيوبي شيفر أوجارسو أن علاقات بلاده مع إسرائيل كعلاقتها مع أي دولة أخرى , نافياً أي علاقة أو تعاون بين بلاده وإسرائيل في موضوع مياه النيل , وقال أوجارسو إن المياه متوافرة لدى إثيوبيا ولا تحتاج إلا إلى حسن إدارتها وتشغيلها واستغلالها.
لكن الخطر يتعدى السودان وإثيوبيا , ويصل إلى دول أخرى من دول حوض النيل وهي كينيا وأوغندا , حيث يشار في هذا الصدد إلي الخطوة التي وصفها مسؤولون مصريون بأنها "مشبوهة" حينما أعلنت وزيرة الموارد المائية الكينية بأن بلادها تعتبر أن اتفاقية المياه بين دول حوض النيل كأنها لم تكن , وقد أبدت الحكومة المصرية رد فعل عنيف تجاه هذا التصرف المفاجئ من قبل كينيا ، حيث صرح بعض المسؤولين بأن التهديد الكيني بالانسحاب من الاتفاقية الموقعة عام 1929 الخاصة بتوزيع المياه سيكون بمثابة إعلان حرب على مصر ، ولم يخف المسؤولون المصريون تشككهم في طبيعة هذا السلوك السياسي واعتبروه سلوكاً مشبوهاً ، وقد تساءل محمود أبو زيد وزير الري والموارد المائية المصري السابق في حينه: لماذا يتحدث البعض عن حجم المياه التي تصل إلى مصر بينما يمكن للجميع الحصول على ما يريدون وأن يتم تطوير ذلك بشكل مشترك , إلا أن الحكومة المصرية عادت للتهدئة وصرح الوزير محمود أبو زيد أنه يستبعد نشوب حرب في حوض النيل بسبب المياه، معتبراً أن ذلك أمر غير وارد على الإطلاق ومن أجل تطمين دول المنبع أكد الوزير أن عوامل التاريخ وقواعد السلوك والقانون الدولي تمنع إلحاق الضرر بمصدر ثروة ظل ثابتاً على مدار مئات السنين .
لكن اللافت للنظر هو أن كينيا ظلت في الآونة الأخيرة تطالب بإعادة النظر في الاتفاقيات الإقليمية التي تحكم قضية توزيع المياه بين الدول المتشاطئة لحوض النيل ، وفي أكثر من مناسبة صرح مسؤولون كينيون بأنه لا ينبغي لمصر والسودان الاستفادة من مياه النيل الذي ينبع من الجنوب دون مقابل ، وأنه لابد من إعادة تقسيم الحصص المائية بالتساوي بين دول الحوض , ويشكك العديد من الخبراء في أن إسرائيل هي المحرض الرئيس في هذه القضية ، خصوصاً أن إسرائيل تربطها علاقات حميمية مع كينيا ولديها العديد من البرامج الثنائية في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية , وهكذا تبدو الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل هي المحرك الرئيس لسلوك الحكومة الكينية التي تربطها علاقات قوية مع إسرائيل. كما أن تهديد الحكومة الأوغندية التي ترتبط هي الأخرى بعلاقات رسمية مع إسرائيل – بأنها ستحذو حذو كينيا في حالة عدم خضوع مصر لإعادة توزيع المياه ، يشير إلى أن إسرائيل تخطط لتفكيك التجمع الإقليمي الذي يضم دول حوض النيل "العشرة" تحت اسم "دول الأندوجو" ، والذي عقد أول اجتماع له عام 1983 في الخرطوم ، وتسعى مصر من خلاله إلى تقوية أواصر التعاون بين دول الحوض لتوفير حالة من الاستقرار في قضية مياه النيل "عصب الحياة في مصر" ، والتي تحاول إسرائيل إثارتها بين الحين والآخر.وفي هذا الإطار يرى بعض المحللين أن السلوك الكيني الأخير جاء بتحريض إسرائيلي بهدف إشغال القيادة السياسية المصرية بهذا الملف الذي يمثل خطاً أحمر في السياسة المصرية ومن ثم تحويل وجهة النشاط السياسي المصري من ملف العملية السلمية في الشرق الأوسط إلى ملف المياه مع دول "الأندوجـــو" للانفراد بالسلطة الفلسطينية ثم فرض سياساتها بهدوء ودون منازع .
وربما هذا الأمر يفسر التوقيت الذي اختارته كينيا لإثارة هذه الأزمة , وأياً كان الهدف من تحريك ملف المياه في وجه مصر ومن بعدها السودان ، فإن إسرائيل ستبقى المستفيد الوحيد من تفكيك التكتلات الإقليمية القائمة على أساس الأخوة والمصلحة المشتركة بين دول حوض النيل ، وسيبقى الخطر الإسرائيلي قائماً للحصول على مياه النيل ما لم تتدارك الدول المعنية الموقف ، وتسعي لحل مشاكلها المائية عن طريق المفاوضات المشتركة وإيجاد الحلول المناسبة لكل الدول الأطراف دون السماح لأي تدخل أجنبي لا يهمه سوى الخراب والدمار والتفرقة.
تعليقات